ابن الجوزي
22
كتاب ذم الهوى
الهوى فرد غربه ، وأدرك الأمور الغامضة ، ودبر على استخدام المخلوقات فاستخدمها ، وحثّ على الفضائل ، ونهى عن الرذائل ، وشدّ أسر الحزم ، وقوّى أزر العزم ، واستجلب ما يزين ، ونفى ما يشين ، فإذا ترك وسلطانه ، أسر فضول الهوى فحصرها في حبس المنع ، وكفى بهذه الأوصاف فضيلة . ولا ينبغي أن يدال الهوى عليه فإنه عدوه ، فيحطّه عن رتبته ويستنزله عن درجته ، ولا يجوز أن يجعل ، وهو الحاكم ، عليه محكوما ، ولا أن يصير ، وهو الزمام ، مزموما ، ولا أن يعود ، وهو المتبوع ، تابعا ، فمن صبر على مضيض مشاورته اجتنى حلاوة المنى في عواقبه . حدثني أبو القاسم ابن القاضي ، عن أبي الوفا ابن عقيل ، قال : حدثني حسن المتطبّب ، قال : استدعيت إلى دار الخلافة فأدخلت حجرة ، فإذا بستر مسبل ، وإذا رجل قد أخرجت من وراء الستر وعليها أثر النعمة ، فنظرت إليها فإذا بها قد انخلعت ، فقلت : هذه الرّجل يحتاج صاحبها إلى رجلين قويين يلزمانه حتى لا يتحرك لتخلع وتردّ إلى مكانها ، فسمعت صوتا من وراء الستر : أقبل على صناعتك فإنّ العقل ممسك .